الحمد لله العليِّ الأعلى ،
{ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى *
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى }
[ طه:6، 7 ] ،
أحمد ربي و أشكره على ما أعطى ،
و أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ، له الأسماء الحسنى ،
و أشهد أنّ نبيّنا و سيّدنا محمدًا عبده و رسوله المصطفى ،
اللهمّ صلِّ و سلِّم و بارك على عبدك و رسولك سيدنا محمد ،
وعلى آله وصحبه البررة الأتقياء .

فأوصيكم أيها الناس و نفسي بتقوى الله عز وجل ، فاتقوه رحمكم الله ،
واعتصموا بحبله حقَّ الاعتصام ، واستمسكوا بالعروة الوثقى التي ليس لها انفصام .
حبل الله الإقرار بتوحيده ، وأداء فرائضه ، وإقامة حدوده ، والتصديق بوعده ووعيده ؛
{ وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ }
[الحشر:7].
عباد الله : عندما خاض المسلمون معركة بدر كانوا يحسون
أن القتال فرض عليهم دون أن يأخذوا له أهبته الواجبة ٬ فكان اعتمادهم على الله شديدا ٬
والتماسُهم عونَه بالغا. وتضاءل شعورهم بأنفسهم حتى استخفى ٬
وتضاعف ذكرهم لله حتى لكأن الله هو الذى يدير المعركة ٬ وكأن خيلهم ورجلهم أدوات المشيئة العليا.
من أجل ذلك جاءت نتيجة المعركة نصرا باهرا للذين خاضوها باسم الله
٬ وجاء فى وصف أدوارها
{ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }
الأنفال17
أحبتي الكرام : ومن أجل مزيد بسط وإيضاح لهذا المعنى،
فهذه وقفة تأمل وتفكر مع أحد الجوانب العاطفية في الإسلام، جانب فيه جماع الإيمان،
وفيه سكينة واطمئنان، تُرفع به كبوات البؤس ، وتُزجر به نزوات الطمع ،
يورث المرء يقظةً فكريةً عاليةً ، ونفساً مؤمنةً موقنة ، هو الأملٌ الذي يصحب العمل ،
والعزيمة التي لا ينطفئ وهجُها مهما ترادفت المتاعب .
ذلكم يا أحبتي هو الثقة في الله واليأس من الناس .
الثقة في الله شعورٌ ويقينٌ بعظمة الله وربوبيته وهيمنته على الحياة والوجود والأفلاك والأكوان .
فكل ذلك محكومٌ بحوله وقوته سبحانه . الثقة في الله قطع القلب عن العلائق ،
ورفض التعلق بالخلائق ، وإعلان الافتقار إلى محوِّل الأحوال ومقدِّر الأقدار لا إله إلا هو .
إنها صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار
ولا ينفع ذا الجد منه الجد .
معاشر الأحبة : المرء يكون قوة غالبة عندما يعمل وهو يستمد من الله العزم والجهد،
والتوفيق والنجاح .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يلقى الأعداء بهذا الروح المستظهر ببأس الله وحده ٬
فكان يقول صلوات ربى و سلامه عليه :
) اللهم بك أصول و بك أجول و بك أقاتل.
اللهم إنا نجعلك فى نحورهم و نعوذ بك من شرورهم ( .
أما إذا شمخ الإنسان بحوله وطوله ٬ وأنس بما أعد ٬ وذهل عن الله الذى تصير إليه الأمور ٬
المهيمن على زمام الحياة ٬ فإن النتائج تفجؤه بما لا يتوقع .
لقد استراح المسلمون لكثرتهم فى معركة حنين وقالوا:
لن نغلب اليوم عن قلة ونظر بعضهم إلى بعض فلم يروا إلا كتائب معبأة لا يثبت لسطوتها أحد.
فتبخر اعتمادهم على السماء ٬ ولم يرتقبوا النصر إلا من عند أنفسهم.
شتان بين هذا الشعور الذاهل الكليل وبين الشعور الذى غمر سرائرهم فى معركة بدر.
فماذا كانت النتيجة ؟.
يقول الله فى كتابه:
{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً
وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ }
التوبة25
هذه عقبى الاغترار بالنفس والذهول عن الله.
وهى العقبى التى ذاق المسلمون مرارتها عند جبل أحد
{ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا
قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
آل عمران165
إن التعويل على النفس مهما أحكمت الأمور واستكملت الأسباب لا يفتح أبواب الخير .
فما اكثر الثغرات فى جهد الإنسان ورأيه إذا أراد القدرُ خذلانه.
والواجب أن يستعين بالله فى كل شىء. فإن عونه إذا تخلف لم يغن عنه شىء.
بل سيكون الأمر على حد قول القائل :
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجنى عليه اجتهاده...
ومعنى طلبك الشىء بالله : أن تضم سببه القوى إلى ما بيديك من أسباب ٬ لا أن تكسل أو تفرط ٬
فإن الكسل والتفريط ليسا طلبا من الله ٬ بل هما عصيان لله وخروج على سننه الكونية المقررة .
إن الإنسان يكون فى أشرف أحواله عندما يتبتل إلى الله ٬ فلا يرجو إلا جداه ولا يؤمل فيما سواه.
وهذا المستوى من الثقة في الله، واليأس من الناس، يقوم على إدراك عقلى سديد لطبائع الأمور.
فماذا يرجو الفقير من فقير مثله ٬ وماذا يبغى العاجز من عاجز مثله.
إن المسلك الرشيد الوحيد ألا يقف المرءُ سائلا إلا بباب الله القوى الغنى ٬
أما أن يتولد فى نفسه رجاء عند ذى جاه من الخلق ٬ فهذا هو الحمق ٬
وما أحسن قول القائل :
ولى بالله إيمان وثيق فعن لكم بإيمان وثيق ؟
قويت به فما أعيا بعبء ولا أشكو عثارا فى طريق
ولا أخشى المضرة من عدو ولا أرجو المبرة من صديق
أيها المؤمن الحصيف : ما طمعك فى بشر لو اعتدت عليه ذبابة لم يستطيع الانتصار منها ؟.
إن جرثومة مرض ما وهى أقل و أضأل من الذبابة تسلب الجبار من الخلق صحته
٬ فيحار كيف يستردها منها ؟.
وصدق الله العظيم إذ يقول:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ }
الحج73
والمتبصر – ياعباد الله- يرى أن الطمع فى العبيد خالط ألوف القلوب فأفسدها .
فهذا عالم يتكلم بصوت خفيض وطرف كسير، ولو شاء لرفع صوته كالرعد ٬
ولكنه يهمس حينا ويخرس أحيانا لأن بذور الطمع نمت فى نفسه فأذلته...
إن تطلعه إلى ما يملك فلان من مال ٬ وإلى ما يهب فلان من جاه ، جعله يلين وينكسر وينكمش .
ولو أنه يئس من عطاء الخلق ٬ ووثق بعطاء الخالق ٬ لكان أعز نفسا وأعلى رأسا.
وكم من أناس أزرى بهم طمع فى هذا وأمل فى ذاك.
وكم من حقوق طمست ٬ ومصالح عطلت ؟ وأوضاع اعوجت بسبب أطماع نفسية محقورة .
واليأس من الناس – رحمكم الله- يحتاج إلى تدريب النفس على العفة والأنفة ٬
وعلى اكتفاء ذاتى يصدها عن التطلع إلى ما بأيدى الآخرين ٬
والاستغناء بالقليل الموجود عن الكثير المشتهى .
وبعد يا إخوة الإيمان : فالثقة في الله هو الشعور الكبير والعميق بمعية الله وعنايته ،
ذلكم هو المؤنس في الموحشات، والمشجع في الرهبات.
وهذا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول :
نظرتُ أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا
فقلتُ يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا ؛
فقال عليه الصلاة والسلام :
( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) .
والله عز وجل يقول في محكم كتابه :
{ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا }
[التوبة:40].
وحينما قال سبحانه و تعالى
{ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا }
[إبراهيم:13].
جاء الجواب على لسان خطيب الأنبياء شعيب عليه وعلى نبينا
وعلى جميع أنبياء الله الصلاة والسلام
{ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا
وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا
عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ }
[الأعراف:89].
إنه المجد الشامخ لا يخطه إلا نفرٌ من المؤمنين المتوكلين الواثقين بربهم
{ قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ءامَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }
[الملك:29] .
بارك الله لي و لكم فى القرآن الكريم و نَفَعني الله وإيَّاكم بالقرآنِ العظيم
وبهديِ محمّد سيد المرسلين صلى الله عليه و سلم ، وأقول قولي هَذا،
وأستَغفر الله لي ولَكم و لجميع المسلمين
فأستغفروه أنه هو الغفور الرحيم

الحمد لله لا شريك له في ملكه ، و لا مانع له في أمره ، و لا مقاوم له في عزه ،
هو المتفرد بالأمر كله . سبحانه و بحمده جل ثناؤه ،
{ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }
[هود:123].
و أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ،
و أشهد أن سيدنا محمداً عبده و رسوله بعثه بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله ،
صلى الله و سلم و بارك عليه وعلى آله و أصحابه
و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أيها المسلمون : من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كانت ثقته بالله أصح وأقوى،
ومن لم يكن كذلك فهو يظن أن حظوظاً عمياء هي التي تقرر مصائر الحياة والأحياء .
إن المقطوعين عن الله هم عبيد الحظوظ الشاردة والأسباب المبتورة .
إن الثقة بالله والاعتماد عليه، لا يعرفه العاطلون البطالون .
ضعيف الثقة في الله لا هو عند الوجود يشكر رتبته، ولا هو عند العدم يرضى حالته .
وإن من الجهل بالله وصفاته وضعف الإيمان بوعده ووعيده أن يتوقع أحدٌ الخذلان والضياع
وهو مرتبط بربه معتمدٌ عليه،
والله يقول :
{ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ *
وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى ٱنتِقَامٍ }
[الزمر:36-37].
والمحروم- يا أحبة - لن يدرك مهما طلب، والمرزوق سوف يأتيه رزقه مهما قعد .
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وأجملوا في الطلب، ولا تفرطوا في السبب،
ثقوا في ربكم، واعملوا وتوكلوا عليه فإنه سبحانه يحب المتوكلين .